علي بن حسن الخزرجي
1580
العقد الفاخر الحسن في طبقات أكابر أهل اليمن
وليس كما نرى في عباد زماننا يتعبد الإنسان منهم بعض التعبد فيكون في وجهه أثر السجود ظاهرا أسود « 1 » . قال الجندي : وأخبرني الفقيه أبو بكر بن أحمد المأربي عن الفقيه عبيد بن صالح عن الفقيه عمر بن مصباح : أنه رأى ولده محمد - وكان قد توفي في طريق الحج في مدينة حلي - ، فقال له : ما فعل اللّه بك ؟ فقال : غفر لي وأدخلني الجنة ، ويل للمتقشفين ، ويل للمتقشفين ، فقلت : هل رأيت جدك ؟ يعني محمد بن أحمد ، فقال : نعم ، ويل للمتقشفين ، ويل للمتقشفين ، فقلت كيف هو ؟ قال : بخير ، ويل للمتقشفين ويل للمتقشفين ، ثم سأله عن القاضي عباس ؟ فقال : هو في ضيافة الشيخ أبي إسحاق ، ثم قال : ويل للمتقشفين ، ويل للمتقشفين ، ثم سألته عن الفقيه عمر بن سعيد ؟ يعني هذا ، وقد كان توفي ، فجعل يعظم ويصف ما أعطاه اللّه ، ويقول : ويل للمتقشفين ، ويل للمتقشفين ، فقلت له : هو أكبر المتقشفين ، فقال : نعم ، لكنه تقشف ظاهر ، وكرر ذلك مرارا ولما توفي شيخه الفقيه محمد بن عمر بقرية الذنبتين ، وكان ذلك ليلا نزل الفقيه إلى جبله في جماعة من أصحابه الذين حوله وقصد مسجد السنة وطلب أصحاب الفقيه محمد بن عمر الذين كانوا بجبلة وعزمهم على النزول إلى الذنبتين لقبران الفقيه ، فنزلوا ، فلما طلعت الشمس أقبلوا على الذنبتين ، فعجب الناس منهم حيث جاءوا من غير رسول أعلمهم ، وكان الفقيه أبو بكر بن ناصر هو القائم بالأمر . وبالجملة فكراماته ومآثر آياته أكثر من أن تحصر ، ولم يكن له نظير في حسن الصحبة ، قال الجندي : ومن ذلك : ما حكى أن بعض الظلمة من الولاة والمتصرفين كان كثير التردد إليه والصحبة له ، فمات وربما كان سبب موته أنه ( شرق ) بشيء من الشراب ، فمات منه فوصل من نعاه إلى الفقيه ، وأخبره بحاله الذي مات عليه فقال الفقيه لأصحابه : بسم اللّه على السير إلى قبران هذا
--> ( 1 ) هذا الكلام لا يدل بالضرورة على أن من تظهر علامة السجود على جبهته مراء ، أو متهم في إخلاصه . ثم إن الرؤيا المذكورة وما فيها من وعيد للمتقشفين ، هي من الحكايات التي يغلب عليها الخيال ، وهي في نفس الوقت تناقض ما كان عليه متصوفة ذلك الزمان من إظهار التقشف الشديد .